حسن الأمين

253

مستدركات أعيان الشيعة

مشاهدتي الطيارة ) ويقصد بذلك أن ندون شعورنا عندما نشاهد طيارة . وكان شعورنا شعور أطفال لا يبتعد عن التصورات الصبيانية ، فلا أذكر الآن ما ذا كتبنا . وبعد أن اطلع أديب التقي على ما كتبنا جميعا ، طلب إلينا أن نأخذ أقلامنا ونهيء أوراقنا ثم أملى علينا قطعة تعتبر آية من آيات البيان ومرجلا من مراجل الوطنية . وكم آسف أن لم يبق في ذهني منها سوى مقطعها الأخير ، وكفى به دليلا عليها ، وكان المقطع الآتي : . . فما كان أشد خفقان قلبي أسى حين أوحت إلي سمتها أنها أجنبية . . . ليت لنا طيارات أيضا . هذه القطعة كانت الشرارة التي أوقدت في نفسي جذوة الوطنية ، وأثارت في عقلي العزة القومية . ولا أزال حتى الآن أحفظ في ذاكرتي بعض ما لقننا إياه للاستظهار فمن ذلك مختارات من قصيدة الشبيبي ( دمشق وبغداد ) ومطلعها : ما ذا بنا ويذي الديار يراد فقدت دمشق وقبلها بغداد وكلها على هذا النسق الوطني المثير ، فضلا عن بلاغة الشعر وقوته . وكذلك مختارات من قصيدة شوقي في سقوط أدرنة : يا أخت أندلس عليك سلام هوت الخلافة عنك والإسلام إلى غير ذلك من هذا وأشباهه الباعث على شيئين : على تذوق أرقى الشعر ، وعلى التغني بالوطن . مصر والسودان ومن التأثر بهذا انطلقت وأنا في الدراسة الابتدائية أمام الزعماء المصريين الفارين يوم ذاك من وجه الإنكليز في مصر ، انطلقت بذاك الجواب الذي هزهم هزا . فإنه على أثر اغتيال لستاك باشا القائد الانكليزي للجيش المصري أيام رئاسة سعد زغلول للوزارة المصرية اتهم بعض زعماء الوفد وشبانه بأنهم هم المتأمرون على القائد فقبض على من قبض عليهم وفر من استطاع الفرار ولجئوا إلى دمشق . ولا أدري الآن سبب زيارتهم للمدرسة العلوية ، وربما كان ذلك ردا لزيارة المدير الذي يمكن أن يكون قد زارهم فردوا له الزيارة في المدرسة ، ولا أعرف الآن أسماءهم ما عدا واحدا منهم هو الدكتور محجوب ثابت ، وسبب حفظي لاسمه ، أن منظره كان متميزا فيهم بسبب لحيته الكثة وجسمه الممتلئ ! . دخلوا علينا غرفة الدرس يصحبهم المدير ونحن في درس الجغرافيا فكان من الطبيعي أن تكون أسئلتهم في هذا الدرس . فاختار أحدهم تلميذا وقال له : عد لي مدن القطر المصري . فارتبك التلميذ واضطرب وظهر عليه العي . فأسرعت أرفع يدي استعدادا للإجابة فتوجه السائل بالسؤال إلي فانطلقت معددا : القاهرة ، الإسكندرية ، الخرطوم ! . ولم أكد أذكر اسم الخرطوم حتى صاح الدكتور محجوب بصوته الجهوري : إيه . . . إيه . . . إيه . . . إيه الخرطوم ، الخرطوم دي في السودان . فبادرته قائلا : نحن نعتبر مصر والسودان بلدا واحدا . ولأجل أن نعرف وقع هذا الجواب على الزعماء المصريين يجب أن نعرف أن الشعار الأول للكفاح المصري كان يوم ذاك وحدة مصر والسودان . فاثار الزعماء المصريين أن يعي تلميذ صغير السن حقيقتهم الوطنية ويهتف بشعارهم القومي وهم بعيدون عن بلدهم . ولا أزال حتى الآن أتمثل في ذهني دموع الدكتور محجوب ثابت وقد تحدرت على وجنتيه ولحيته . الخطاب المرتجل وعدا عن درسي الإنشاء والمحفوظات فقد خصص أديب التقي بعد ظهر الاثنين من كل أسبوع لتعويدنا الخطابة بعد تمريننا على الكتابة ، فكان بعد ظهر الاثنين ميدان للخطباء من التلاميذ يعرضون فيه مواهبهم وينمونها بتوجيه أديب التقي الذي كان يستمع مع مجموع الأساتيذ والتلاميذ إلى ما يلقى على منبر المدرسة ، ثم يعلق على ما ألقي مشيرا إلى الحسنات والسيئات لتقويم الخطباء وتثقيفهم . وقد كان يتخذ من هذا المنبر أيضا وسيلة لتنمية الروح الوطنية ، ولا أزال أذكر أن أحد الخطباء من التلاميذ استعمل خلال كلامه كلمة ( الشعب السوري ) ، فهب أديب التقي ينعي على الطالب هذا الإطلاق قائلا : أن لا شعب إلا الشعب العربي . ومن هذا وأمثاله كان إحساس الطلاب بقوميتهم وتاثرهم بوطنيتهم ينموان ويتفاعلان في الوجدان والنفس . . في مثل ذاك الجو الارهابي الاستعماري الذي فرضه الفرنسيون على البلاد بعد معركة ميسلون وما تلاها من سنين . ولم يكن فينا من يحاول الارتجال في مثل تلك السن ، ولم نكن نجرؤ على مثل هذه الخطوة ما دمنا مستطيعين كتابة ما نريد أن نقوله . ولكن في إحدى الرحلات المدرسية التي كانت تنظم بين الحين والحين إلى بعض القرى ، دعينا إلى الغداء على أن نتناوله بعد تأدية صلاة الجمعة في مسجد البلدة . وعلمنا أن أمام المسجد سيرحب بنا خلال خطبة الجمعة لذلك عهد إلي باعداد كلمة تناسب الرد على ترحيب الخطيب ، فكتبت كلمة موجزة ووضعتها في إحدى جيوبي على ما اعتقدت ، ولكن يبدو أنني إما قد أخطات فتركتها في مكان آخر أو أنها وقعت بعد ذلك من جيبي دون أن أدري . وفي الموعد المعين ذهبنا إلى المسجد المكتظ بالناس وصعد الخطيب المنبر وألقى خطبته مرحبا بضيوف البلدة ، وبعد انتهائه مباشرة هببت إلى المنبر العالي ووقفت على ذروته ، ومددت يدي لآخذ الورقة المعدة لهذا الموقف ، وكانت الأبصار كلها شاخصة إلي متهيئة إلى ما سيقوله هذا التلميذ الصغير . ولكنني لم أجد الورقة وفي لمحات مددت يدي إلى كل جيوبي عبثا ، فهالني أول الأمر الموقف . ولكنني ملكت روعي وسيطرت على نفسي وانطلقت في كلام ارتجالي كان عماده ما لا يزال عالقا في ذهني مما هو مكتوب في الورقة .